“كل تجربة ناجحة تبدأ بإرادة وعَزم على تحقيق الهَدف، وترافقنا تلك الإرادة في كُل مرحلة نمرّ بها، وحين تشتدّ بنا الصعاب، تكون هي مصدر قوّتنا، كُل الأهداف قابلة للتّحقيق حين نعقِد العَزم .”

مرحلة الاعداد:

كانت من أجملِ التجارُب الاجتماعية والتنافسية في حياتي، بدأنا التدريبَ على مسابقة اليوم قبلَ فترةٍ طويلة؛ حرصاً على ألا يفوتَنا سؤالٌ أو معلومة، اكتسبنا معرفةً لا تُنسى وتجهزّنا من أجلِها جيداً.

تحدّد المكان والزمان، سنبيت ليومين في قاعةِ المرصد الفلكي في كليّة التربية، وستبدأُ مسابقةُ البرمجة السّاعة الثالثة من فجرِ السبت، الرابِع عشر من شهر أكتوبر. ثلاثة عشر فريقا من جامعة بيرزيت سينافسون 75 فريقاً على مستوى الوَطن، وثلاثة آلاف فريق من كافّة أنحاء العالم، في تحدٍّ برمجي مُختلف؛ مسابقة لمدة 24 ساعة مُتواصلة.

الليلة الأولى:

اجتَمعنا قبل البدء بخمسة ساعات، كانت اللّجنة التحضيرية قد حضّرت لنا عشاءً مميّزا، قضينا ليلة جميلة مع نشاطات متنوّعة؛ لنُرفه عن أنفسنا، ونُحضّرها جيدا من أجل مسابقة طويلة. مضى الوقت واقتربت البداية، كلٌّ إلى مكانه، حضّرنا الأوراق والأجهزة، نظرنا الى بعضنا البعض وقلنا: “ماذا سنفعل اليوم؟”، “سَنفوز!”.

طبيعة مُسابقة البرمجة هذهِ تقتضي نُزول عدد من الأسئلة كل ساعة، يبقى كلّ سؤال مفتوحاً للإجابة عليه حتى تنتهي المُسابقة، لكن يجب الانتباه ، لا تخترِ الأسئلة السهلة فقط، فكلّما ازداد عدد الذين يحلّون السؤال، قلّت قيمتُه ونقاطُه، لذا وجب علينا أن نحل الأسئلة الصّعبة أيضا.

في أوّل دُفعة نزلت ثلاثة أسئلة، كان السؤال الأول سهلا، فقد حله المعظم قبل مرور ثلث ساعة، لكن السؤال الثاني كان معقّدا، فقد فكّرنا فيه لساعات وساعات ولم ينجَح فيه إلّا القليل.

صباح مُتعَب:

مضى الوقت وأشرَقت الشّمس على وُجوه مُتعبة لم تنَم، كانّ وضعنا جيّدا، لكن ليس كما يجب، فنحنُ لسنا المتصدّرين على مُستوى الوطن، لم نحصُد الكثير من النقاط، ولم نعرِف متى طلع الصباح بهذه السُّرعة، والحقيقة اننا انشغلنا بالأسئلة كثيراً حتّى نسينا أنفُسنا، ثم توقفنا قليلاً، البعض خرج لمُشاهدة شُروق الشمس، واستنشاق الهواء؛ البعض قرّر النوم، البعض تناول افطاره وعاد مرّةً أُخرى.

فريق بيرحكايا في المسابقة

صُعود ونزول:

كانت شاشة العرض تُظهِرُ تقدمنا على مُستوى الوطن، وبعد فترة الرّاحة، عادَ العباقرة ليُنافسوا من جديد، تصدرت بيرزيت، لكن الجامعات الأخرى عنيدة أيضاً، هم لم يأتوا للّعب، وإنّما من أجل المُنافسة، مرّت حوالي العشر ساعات والفرق الخمسة الأولى تتبادَل المراكز فيما بينها، فهذا قد استخدم طريقة عبقريّة لم نسمع بها من قبل، وهذا وجدَ السؤال سهلاً لأنّه فكّر من منظور مُختلف، وآخر شاهد غُروب الشمس الجميل فاستنتّج علاقة جميلة، وهكذا.

سيطرة مُطلقة:

كان الأُسلوب المتّبع هو التناوُب، كل فريق يتكوّن من ثلاثة طلبة، اثنان يعمَلان، والآخر مُستريح، يفكّر، ويُحضر لانطِلاقة كبيرة، وما إن يعود، حتى نسمع تصفيقاً وتشجيعاً؛ فقد حلّوا سؤالاً جديدا. وفي الساعات الأخيرة، بدأت الأخبار الجيدة تتوالى، نحنُ متصدرون بفريقين وليس واحداً، والفريق الثالث يصعد بشكل مُتتابع، وهكذا حتى آخر ساعتين.

العبقرية في أسوأ الظروف:

الرّجال يبرزون في أصعب المواقف، وأولئك الذين لم يناموا لأكثر من ثلاثين ساعة مُتواصلة، لا تتوقع منهم أن يحلّوا سؤالاً واحداً، فكيف بأن يحلوا أسئلة صعبة لم يستطِع حلّها إلا القليلون! وما معنى ذلك؟ نعم لقد ذكرنا ان النقاط تعتمد على عدد من يحلون السؤال، وحلّنا للأسئلة الصعبة كانت بمثابة “ضربة معلم” لنبتَعد بِفارق كبير.

نتائج مُبهرة:

انتهت المُسابقة، وصلت للجميع رسالة مفادُها: “شكرا لمشاركتكم معنا، سنبعث النتائج بعد قليل”. انتظرنا رغم معرفتنا للنتيجة مُسبقاً، أُعلنت النتيجة، و كانت فرحة عظيمة بعد جُهد عظيم، فجامعة بيرزيت قد حقّقت المراكز ال 5 الأولى على مستوى الوطن، والأجمَل من ذلك، أنّ الفريق الأول قد حصل على المركز 125 على مستوى العالم من بين 3000 فريق.

نتائج المسابقة

جُنود مجهولون:

في كُل فوز أو انجاز، هُناك جنود مجهولون، لولاهم لما حصل ذلك الفوز، وهُنا لا بُدّ ان نُشير اليهم بعِرفان وشكر لما فعلوه من اهتمام وجُهد كبير معنا في المسابقة، ففي البداية كان هنالك المدربين الذين تعِبوا معنا على مدار الأسبوعين الأخيرين، ودائِرة الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب التي وفرت المكان والدّعم المعنوي اللازم، والطلبة المتطوّعين الذين سهِروا معنا وشاركونا تعبنا، والدعم الكبير الذي وفّره نادي الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب، ودعم مَجلس الطلبة، والشكر الكبير يصل إلى فرع ال “IEEE” الموجود في بيرزيت على الاهتمام الكبير والعمل المميّز الذي قاموا به.

لقد كانت تجربة من أجمل التجارب التي خضتها في حياتي، ولا شك انّني لن انساها أبدا، وقد أحببت مشاركتكُم بها وأتمنى ان تكونوا معنا في مسابقة السنة القادمة لنعيش الدور الجميل معاً، وإن كانت لديكم تجربة مماثلة، شاركونا بها.