“وعندي أنّ (العطشان) يروي الظمآن، ويورثُ القلبَ لحظةَ صفاء، ويدفعُ بالعقلِ إلى مروجِ التحليل الأدبيّ الجميل”

كثيرٌ مَن كتبوا عن “الدّكتور” محمود العطشان، أحدِ أعمدةِ دائرة اللّغة العربيّة في جامعة بيرزيت، كتبوا بحبّ، كتبوا كتابةً القلبِ إلى القلب، ولا أعظمَ من كتابةٍ كهذه، فحينما ينطقُ اللّسانُ عن حال القلب، يخرجُ الشّعور الإنسانيّ البديع، يلامسُ ذاتَك، ويبعثُ في كيانك بعثَةَ الأملِ بعيدًا عن تجاذبات النّفاق والمداهنة.

في غرفةٍ تطلّ على شارعِ الآداب، على مكتبٍ قليلِ الأوراق، ومكتبةٍ متنوّعة الكتبِ، وضوءٍ خافت، يجلسُ العطشانُ على كرسيّه، وحوله طالباته وطلّابه، يتجاذبون أطرافَ الحديث، في نكتةٍ لطيفة، أو ضحكةٍ عليّة، يتوسّطهم “الدّكتور” بنظارةٍ سوداءَ تخبرُ مَن عايشوه: أنّ ناظرَ القلبِ لا يخلو من نظر.

الدّكتور محمود العطشان، عروضيٌّ بديع، له باعٌ طويلٌ في تعليم العروض الشّعريّ، له غناءٌ بهيّ، وصوتٌ طَروب، واندماجٌ كاملٌ في مادّته، وحبٌّ -لا يُعلّل- حين تسمعُ غِناءه البحورَ الشّعريّة، تنقِمُ على مناهجَ مدرسيّة عقيمةٍ تحفّظك التّفعيلات حِفظًا بينما العطشان يُعلّمك أن ترويَ ظمأك بالشّعر، يعلّمك أن تحبّ البسيط والوافرَ وأن تمخرَ عباب الطّويل، وتلهو قليلًا بالخفيف، وتبطِئ بالسّريع، وتسبَح في الرَمَل، وأن تكونَ كاملَ الاندماجِ في الكامل، يعلّمك أنّ الشّعرَ غِناء وأنّ البحر للسباحةِ لا للغرَق.

لا تكادُ تخلو الطّرفة من حديثِه، ولا يكادُ يخرجُ من غرفتِه إلّا والتّحايا عليه تنهال، أبو شادي -وهذه كنيتُه- الّذي يطوّع النثرَ شعرًا بين يديه، لا يعثرُ في طريقه أبدًا، وإنّه لنِعمَ المعلّم، فكلّ مَن نالَ حظًا أن حبا بين يديه يعلمُ مَن هو العطشان، وإنّي في هذا الفصل الأخيرِ لي، وأنا بين يديه أتجهّز لإنجاز “مشروع تخرّجي” أحاولُ إخبارَكم بما أسرّه لي من حديثٍ في غرفتِه العبِقَة.

التقى دكتورُنا بعمالقة الأدب العربيّ وقضى زمنًا بين يدِ أحدهم، أعظمُ روائيّ عربيّ حسب وجهة نظرِه الرّوائيّ نجيب محفوظ، فهو يحبّه حبًا شديدًا وكان يحرِصُ على لقاءاته طِوال سنينٍ سبعةٍ، وكما قال لي: “كنتُ أحرصُ على حضورِها بوقتِها أكثرَ من حرصي على أداء فروضي الخمسة” بينما محفوظ أحبّ دكتورَنا حبًا جعل المصريين يستغربون من هذه العلاقة الحميمة.

وممّا يعجبُه في نجيب فنًا، أنّه إذا وصف المكان كأنّه يجعلُك تعيشُه بدقّة وصفه وبراعته، وإذا وصف الشّخوص عَني بنفسيّاتهم كأنّما يصوّر دواخلّهم، هو مغرَمٌ بنجيب، وفي مساق القصّة العربيّة دائمًا ما تكون أعمال نجيب محفوظ حاضرةً للدّرْس.

يقول: عادةً حين تبتعدُ عنّي الرّوحُ قليلًا أعودُ إلى المتنبّي وأشعار القدماء لأعيد شدّ الخيط الّذي يصلُني بها، أنا أحبّ المتنبّي بالرّغم من “زعرنته” أحبّ المعتدّين بأنفسِهم في زمن الضّعف والخَور في الأمّة، وكأنّهم يقولون لك: نحن هنا، نحن موجودون، وكم ينفعلُ حين يقرأ بيت المتنبّي:

واقفًا تحتَ أخمَصَيْ قدْرِ نفسي  ::  واقفًا تحت أخمصَيَّ الأنـامُ

هذا هو العطشان، رمزٌ وعلَمٌ من أعلامِ الدائرة، خرّج عشراتٍ من الأجيال من المعلّمين والمحرّرين والمدققين، كثيرًا كثيرًا، ما إن يسألُني أحدٌ ما: أين تدرُس؟ فأجيبُه: في بيرزيت. فيقول: بلّغ العطشانَ منّي تحيّة.